مصطفى لبيب عبد الغني
216
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
للحيوان ويفرط فيه الناس من الكد للبهائم في استعمالها . فوجب أن يكون ذلك كله على قصد وسنن وطريق ومذهب عقلي عدلى لا يتعدى ولا يجار عنه . فيوقع الألم حيث يرجى به دفع ما هو أعظم منه ، نحو بط الجراح وكىّ العضو العفن وشرب الدواء المر البشع وترك الطعام اللذيذ خشية الأمراض العظيمة الأليمة . وتكدّ البهائم كدّ قصد لا عنف فيه إلا في المواضع التي تدعو الضرورة فيها إلى الإعناف ويوجب العقل والعدل ذلك كحث الفرس عند طلب النجاة من العدو ، فإنه يجب في العدل حينئذ أن يحث ويتلف في ذلك إذا رجى به خلاص الإنسان ، ولا سيما إذا كان عالما خيرا أو له غناء عظيم في وجه من الوجوه العائد صلاحها على جملة الناس ، إذا كان غناء مثل هذا الرجل وبقاؤه في هذا العالم أصلح لأهله من بقاء ذلك الفرس . أو كرجلين وقعا في برية لا ماء فيها ومع أحدهما من الماء ما يمكن أن يخلص به نفسه دون صاحبه ، فإنه ينبغي في تلك الحالة أن يؤثّر بالماء أعود الرجلين على الناس بالصلاح . فهذا هو القياس في أمثال هذه الأمور وأشباهها . وأما الصيد والطرد والإبادة والإهلاك فينبغي أن يكون للحيوان الذي لا يعيش كمال العيشة إلا باللحم كالأسد والنمور والذئاب وما أشبهها ، والتي يعظم أذاها ولا مطمع في استصلاحها ولا حاجة في استعمالها مثل الحيات والعقارب ونحوها . فهذا هو القياس في أمثال هذه الأمور . وإنما جاز أن تتلف هذه الحيوانات من جهتين : إحداهما أنها متي لم تتلف أتلفت حيوانات كثيرة ، فهذا باب خاص بأمثال هذه الحيوانات ، أعنى التي لا تعيش إلا باللحم . وأما الأخرى فإنه ليس تخلص النفوس من جثة من جثث الحيوانات إلا من جثة الإنسان فقط . وإذا كان الأمر كذلك كان تخليص أمثال هذه النفوس من جثثها شبيها بالتطويق والتسهيل إلى الخلاص . فلما اجتمع للتي لا تعيش إلا باللحم الوجهان جميعا وجب إبادتها ما أمكن ، لأن في ذلك تقليلا من ألم الحيوان ورجاء أن تقع نفوسها في جثث أصلح .